محمد بن زكريا الرازي
56
منافع الأغذية ودفع مضارها
ومما يدفع به ذلك التأدم عليه بالآدام المغلظة واللزجة ، كلحوم الحملان « 1 » والعجاجيل « 2 » والهرائس « 3 » والعصائد « 4 » ، وترك التعب أو تقليله ، وكذلك ترك الحمّام والتعرق والأغذية الحريفة والملطفة ، كالتوابل الحارة والبقول الحريفة ، والملح والمري والكواميخ ، والشراب العتيق جدا . فأما الحلو الغليظ منه منافع في هذه الوجوه منه . وأما الكثير الملح منه والبورق « 5 » فقليل الغذاء ، سريع الخروج ، وبالضد . وقد بان كيف يدفع الضرر المتولد من إدمانها بما تقدم من كلامنا ، واللّه أعلم . خبز التنور والفرن وأما خبز التنور فأصلح من خبز الفن في سرعة الهضم والخروج ، وقلة تولد النفخ والسدد والغلظ واللزوجات . لكن خبز الفرن أوفق منه في كثرة الإغذاء ، ولذلك هو أصلح لمن يكد ويتعب ويحتاج إلى غذاء متين قوي . خبز الملة « 6 » وأما خبز الملة فأغلظ فجاجة ونهوة ، وأقل نضجا من خبز الفرن ، وأعسر خروجا ، وأكثر غذاء إذا انهضم ، وليس يخفى ما مضاره ، وبما تدفع ، على من فهم ما تقدم من كلامنا .
--> ( 1 ) الحملان : الخراف الصغيرة من الماشية . ( 2 ) العجاجيل : ذكر البقر وهي التي لم تبلغ العام الواحد . ( 3 ) الهرائس : هريت اللحم وهروت اللحم هروا وهرأته واهرأته بمعنى أنضجته ، والهرائس نوع من اللحم الناضج المطبوخ جيدا . ( 4 ) العصائد : طعام يصنع مع العظم واللحم ( العوّذ ) وقالوا : أطيب اللحم ويقول أبو عبيدة : عصدت الشيء أعصده عصدا : لويته ومنه سميت العصيدة ويقول صاحب العين : العصيدة : السمن يطبخ بالتمر والمعصد والرهيدة : برّ يدق ويصب عليه الماء . واللهيدة : الرخوة من العصائد ليست بحساء يحس ولا غليظة فتلقم . ( 5 ) البورق : سبق شرحه . ( 6 ) خبز الملّة : سبق شرحه ونضيف على ما سبق قول الشاعر : لا أشتم الطيف إلا أن أقول له * أبانك اللّه في أبيات عمار أبانك اللّه في أبيات معتز * عن المكارم لا عف ولا قاري جلد الندى زاهد في كل مكرمة * كأنما ضيفه في ملّة النار